أقسام الحديث حسب القبول والرد

الدرس الحادي عشر

 

 

درست سابقاً أن للحديث المقبول شروطاً، فإن توافرت كلها قُبل الحديث، وإلا فلا، وقد قسّم المحدثون الأحاديث بناءً على توافر تلك الشروط أو عدم توافرها إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: الحديث الصحيح، والحديث الحسن، والحديث الضعيف، وفي هذا الدرس نتناولها بصورة إجمالية، فما مفهوم كل منها؟ وما حكمه؟

 

الحديث الصحيح

أولاً

 

1- تعريف الحديث الصحيح: هو الحديث الذي اتصل سنده بالثقات، ولم يكن شاذاً، ولذلك فإنه يجب أن يتوافر في الحديث حتى يكون صحيحاً ما يأتي:

أ- اتصال السند، أي أن يروي كل راوٍ الحديث عمن قبله مباشرةً، مشافهةً أو كتابةً بشرط التثبت من نسبة الحديث إلى راويه.

ب- أن يكون كل راو من رواة الحديث ثقة، وأن تجتمع فيهم جميعاً كل أركان العدالة والضبط.

- أن لا يعارض الحديث شيئاً أقوى منه، فلا يعارض آية، ولا حديثاً رواه من هو أوثق منه، ولا يعارض الحقائق العقلية، أو العلمية، أو الحسية.

2- حكم الحديث الصحيح: يقبل الحديث الصحيح في العقيدة والأحكام لأنه حديث اجتمعت فيه كل شروط الحديث المقبول.

والحديث الصحيح ربما يكون متواتراً فيجب الأخذ به ويكفر منكره. وغالباً ما يكون آحاداً فيجب الأخذ به، ويأثم منكره ولا يكفر.

 

نشــاط

 

بين العلاقة بين الحديث الصحيح والحديث المتواتر.

 

 

3- مصادر الحديث الصحيح: الأحاديث الصحيحة كثيرة جداً، تبلغ عدة آلاف، وقد ألفت مصادر خاصة بالأحاديث الصحيحة، ولكن المحدّثين بعد دراسة هذه المصادر، وجدوا أنه لا يوجد من هذه المصادر كتاب كل أحاديثه صحيحة إلا "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم".

وتوجد مصادر أخرى فيها كثير من الأحاديث الصحيحة، وليس كل ما فيها صحيح، مثل "الموطأ للإمام مالك" و"صحيح ابن خزيمة" و"صحيح ابن حبان".

ولذلك فإن الأحاديث الصحيحة ليست فقط هي الأحاديث الموجودة في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" بل إنه يوجد من الأحاديث الصحيحة في الكتب الأخرى، أكثر مما في الصحيحين، ومن أمثلة الحديث الصحيح الآحادي الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه: قال: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي r، قال: "ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار" (1).

4- أقسام الحديث الصحيح: يرى بعض العلماء أن الحديث الصحيح يقسم إلى قسمين هما:

أ- الحديث الصحيح لذاته: وهو الحديث المتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسول الله r، ولا يكون شاذاً ولا معللاً بعلةٍ قادحةٍ، فإذا توفر مضمون هذا التعريف في الحديث يكون قد اشتمل على أعلى صفات القبول ويعد صحيحاً لذاته.

ب- الحديث الصحيح لغيره: وهو الحديث الذي استوفى الشروط السابقة في تعريف الحديث الصحيح، ولكن ضبط الراوي كان غير تام، وهذا ما يسميه العلماء الحديث الحسن، ليكون في درجة الحديث الصحيح لكنه ليس صحيحاً لذاته بل صحيح لغيره وذلك لأن في سنده ثلمة، هي خفة الضبط عند الراوي، وقد جبرت بالوجه الآخر الذي روي منه الحديث، فكان صحيحاً لغيره، ومثال ذلك ما رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (2) فمحمد بن عمرو من المشهورين بالصدق لكنه لم يكن من أهل الإتقان، فضعَّفه بعضهم من جهة حفظه ووثَّقه آخرون لصدقه، فحديثه هذا حسن لذاته، وصحيح لغيره لأنه روي من طريق آخر، فقد رواه الأعرج، وسعيد المقبري وأبوه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.

 

الحديث الحسن

ثانياً

 

1- تعريف الحديث الحسن: هو ما اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه من غير شذوذ ولا علة، ويعرفه آخرون بأنه الحديث الذي نقله العدل الضابط ضبطاً أخف من ضبط الصحيح، وكان متصل السند غير معلّل ولا شاذ.

ولذلك فإن الحديث الحسن قد اجتمعت فيه شروط الصحيح بشكل عام فهو حديث:

أ- متصل السند، قد رواه كل راوٍ عن مثله بطريقةٍ مقبولة.

ب- كل رواته عدول (ثقات) ضابطون ضبطاً أقل من ضبط رجال الصحيح.

ج- ليس شاذاً، فلا يعارض رواية من هو أوثق منه.

والفرق الوحيد بين الحديث الحسن والحديث الصحيح، هو أن في سند الحديث الحسن راوياً أو أكثر من الدرجة الثانية في الضبط، بينما كل رواة الحديث الصحيح من الدرجة الأولى في الضبط.

فإذا كان كل رواة السند ممن وصفوا بـ : "أوثق الناس"، أو "ثقة ثقة"، أو "ثقة"، وما شابه ذلك من المصطلحات، فالحديث صحيح.

أما إذا كان بعض رواة سند الحديث أو كلهم ممن وصفوا بـ: "لا بأس به" أو ما شابه ذلك، فإن الحديث حسن.

2- حكم الحديث الحسن: الحديث الحسن حديث اجتمعت فيه كل الشروط المطلوبة ولذلك فهو حديث مقبول في العقيدة والأحكام، وهو في ذلك كالحديث الصحيح إلا أن الحديث الصحيح أقوى منه.

وقد يروي الحديث الحسن نفسه راوٍ آخر من درجة: "لا بأس به". وفي هذه الحالة يتقوى الحديث الحسن ويصبح حديثاً صحيحاً ويسمى "الصحيح لغيره". لأنه قد وصل إلى مرتبة الصحة بتقوية من غيره. أما الحديث الصحيح الذي سبق أن درسته فقد سُمِّي: الصحيح لذاته لأن قوة الضبط فيه ذاتية، وليست من حديث آخر. والحديث الحسن الذي ذكر في هذا الدرس هو الحديث الحسن لذاته.

أما إذا كان أصل الحديث فيه ضعف فَتَقَوّى بحديث آخر فإنّه يسمى: الحسن لغيره، ومن الأمثلة على الأحاديث الحسنة، ما روى الترمذي قال: حدثنا يحيى بن سعيد عن بهز بن حكيم حدثني أبي عن جدي قال: "قلتُ يا رسولَ الله مَنْ أَبرّ؟ قال: أمك، قال: قلت ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: قلت ثم من؟ قال أمك، ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب" (3).

 

الحديث الضعيف

ثالثاً

 

1- تعريف الحديث الضعيف: هو الحديث الذي فقد شرطاً من شروط الحديث المقبول. فإذا فقد اتصال السند بينَ راويين أو أكثر من رواة الحديث فالحديث ضعيف، وإذا كان أحد الرواة أو أكثر غير عدل أو غير ضابط فالحديث ضعيف.

كل ذلك إذا لم نجد حديثاً آخر يقويه. فإن وجدنا حديثاً آخر يقويه ويشهد له فإنه يصبح حسناً لغيره إذا كان الضعف يسيراً.

2- حكم الحديث الضعيف: الحديث الضعيف حديث مردود، لا يقبل في العقيدة، ولا في الأحكام العملية كالصلاة، والبيوع، والحلال والحرام، وذلك لأن الحديث الضعيف فقد شرطاً أو أكثر من شروط الحديث المقبول.

وقد رأى بعض العلماء أن الحديث الضعيف يستحب الأخذ به إذا اجتمعت فيه عدة أمور وهي:

أ- أن يكون ضعفه يسيراً، كوجود راوٍ في سند الحديث وصف بأنه ليس بالقوي، أو له ما ينكر، ولم نجد حديثاً يقوّيه فهو حديث ضعيف ضعفاً يسيراً. أما الحديث الضعيف ضعفاً شديداً فلا يقبل نهائياً.

ب- أن يكون الحديث مندرجاً تحت أصل عام أي أن يكون الحديث داخلاً تحت قاعدة واردة في نص من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة. أما إذا لم يكن الحديث داخلاً تحت قاعدة شرعية فلا يقبل أبداً.

ج- أن يكون الحديث في المستحبات أو المكروهات، أما إذا كان في الواجبات أو المحرمات فلا يقبل أبداً.

وقد ضرب بعض العلماء مثالاً للحديث الضعيف الذي اجتمعت فيه هذه الأمور، وهو الحديث الذي أخرجه ابن ماجه في سننه قال: حدثنا أبو أحمد المرّار بن حمويّة، قال: حدثنا محمد بن المصفّى، قال: حدثنا بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن خالد ابن معدان، عن أبي أمامة، عن النبي r قال: "من قام ليلتي العيدين يحتسب لله لم يمت قلبه يوم تموت القلوب" (4) فإن في سند هذا الحديث بقية بن الوليد وهو صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، ففي روايته شيء من الضعف، لكنه ضعف غير شديد.

والحديث يحث على قيام ليلتي العيدين وهذا داخل تحت نصوص كثيرة تحث على قيام الليل بشكل عام، دون أن تذكر ليلة العيد بشكل خاص. والحديث في فضائل الأعمال فهو لا يجعل قيام ليلة العيد فرضاً بل فيه استحباب ذلك، وعدّه مندوباً. وهكذا فقد اجتمعت في الحديث الأمور الثلاثة فيستحب العمل به.

وهذا الرأي لا يختلف عن الرأي الأول، لأن من الشروط التي يذكرها أصحاب الرأي الثاني أن يندرج تحت أصل عام، إذن فلا بد أن يكون مضمون الحديث وارداً بشكلٍ عام في نص شرعي صحيح، وبذلك فإن الخلاف بين الرأيين فيما تقدم يعدّ شكلياً وليس جوهرياً.

ولما كان الحديث الضعيف مردوداً فإنه لا تجوز روايته للناس إلا مع بيان أنه حديث ضعيف تحذيراً منه.

 

الأسئلـــة

 

 

1- اذكر أقسام الحديث من حيث القبول والرد.

2- قارن بين الحديث الصحيح والحديث الحسن.

3- اذكر حكم الحديث الحسن.

4- بين علاقة الحديث الحسن بالحديث الصحيح.

5- ما الفرق بين الحسن لذاته والحسن لغيره.

6- قارن بين الحديث الضعيف والحسن لغيره.

7- بين الشروط العامة التي إن فقد شرط واحد منها كان الحديث ضعيفاً.

8- ما معنى أن يكون الحديث الضعيف مندرجاً تحت أصل عام.

9- ما معنى أن يكون الحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

10- ضع دائرة حول رقم الإجابة الصحيحة فيما يأتي:

أ- كل حديث موجود في صحيح البخاري وصحيح مسلم هو:

2. صحيح آحاد.

1. صحيح متواتر.

4. كل ما ذكر.

3. صحيح.

ب- الحديث الذي لا يوجد في صحيح البخاري ومسلم هو:

2. صحيح.

1. غير صحيح.

4. ربما كان صحيحاً وربما كان غير صحيح.

3. آحاد.

- الحديث المتصل غير الشاذ الذي أقل رواته ثقة يسمى:

2. صحيحاً لغيره.

1. صحيحاً لذاته.

4. حسناً لغيره.

3. حسناً لذاته.

د- الحديث الذي أحد رواته غير ضابط ولم يأت حديث آخر يقويه يسمى:

2. حسناً لذاته.

1. صحيحاً لغيره.

4. ضعيفاً.

3. حسناً لغيره.

- حكم رواية الحديث الضعيف:

2. مكروه.

1. مباح.

4. مندوب.

3. حرام.

 

 

 

ـــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان.

(2) صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب ما جاء في السواك.

(3) الترمذي، الجامع الصحيح، باب البر والصلة.

(4) سنن ابن ماجه.